محمد العامري الغزي

45

المطالع البدرية في المنازل الرومية

الصباح ، وحكى بعض ظرفاء المؤرخين في وقائع الحمقى والمغفلين : أن رجلا رأى بحمص يهوديا عطّارا في دكان يؤذن بها على باب الجامع في أوقات الأذان ، يقول : أهل حمص يشهدون أن لا إله إلا الله ، أهل حمص يشهدون أن محمدا رسول الله ، ورأى الإمام يصلّي ورجله خارجة من المحراب ، فسأل من رجل عن دار القاضي ليشتكي له ذلك المصاب ، فطأطأ برأسه وكشف عن فلسه ، فدخل إلى القاضي يشتكي ما دهاه ، فوجد عنده صبيا قد علاه ، فخرج [ 14 ب ] وهو يستغيث ، فقال له : ارجع يا خبيث ، ما بالك ؟ وما حالك ؟ فحكى له القصة ، فقال : أنا أزيح عنك الغصّة ، أمّا اليهوديّ فهو يؤدي للمسجد أجرة الدكان ، ويؤذن دون المسلمين متبرّعا بالأذان ، وأمّا الإمام فلعل أصاب رجله بعض نجاسة الكلاب ، فما رأى أن يدخلها معه في المحراب ، وأما الذي سألته عن الدار فقد أجابك بما به أشار ، وذلك أن بابي مقنطر معلا ، وعليه قنديل مدلى ، وأما الصبي الذي كان فوق ظهره ، فهو تحت نظره وحجره ، وفي تربيته وحجره ، وأحبّ أن يعلم إن كان بلغ مبالغ الرجال يسلّمه ما له تحت يده من المال . ومن أغرب الحكايات واقعة عبد السلام الحمصيّ الملقب بديك الجنّ « 1 » الشاعر ، وهي واقعة غريبة لم يسمع بمثلها في الدهور الغوائر ، وذلك أنه كان يحب جارية له وغلاما ، وقد افتتن بهما عشقا وهياما ، فمن شدّة ما حصل له من قوة المحبة لهما « 2 » والوله ، خشي أن يفجعه فيهما الدهر ويمتّع بهما غيره ، فقتلهما وجدا عليهما وغيرة ، ثم صنع من [ 15 أ ] رماديهما برنيتين « 3 » للمشروب وكان ينادمهما منادمة المحب المحبوب ، وإذا اشتاق إلى الجارية قبّل البرنية المجبولة من رمادها المرصد ، وملأ منها قدحه وبكى وأنشد : [ من الكامل ]

--> ( 1 ) عبد السلام بن رغبان بن عبد السلام بن حبيب الكلبيّ ( ت 235 ه ) من شعراء الدولة العباسيّة ، ترجمته في : الأغاني 14 : 33 - 45 ، وفيات الأعيان 3 : 184 - 188 ، وللبدوي الملثم : كتاب ديك الجن الحمصيّ . ( 2 ) وردت في الأصل : « فيهما » والتصحيح من ( م ) و ( ع ) . ( 3 ) البرنية : قارورة أو إناء من خزف . ( لسان العرب 13 : 50 ) .